ابن الجوزي

135

صفة الصفوة

أن أجعل عمري راكعا ، ووجهي مفترشا حتى ألقاه ، ولكن الفرائض لا تدعني أفعل ذلك فمن أنت يرحمك اللّه ؟ قال : أنا عامر بن عبد قيس . قال : إن كنت عامرا الذي ذكر لي فأنت أعبد الناس . فأخبرني بأفضل خصلة قال : إني لمقصّر ولكن واحدة عظمت هيبة اللّه في صدري حتى ما أهاب شيئا غيره . واكتنفته السباع فأتاه سبع منها فوثب عليه من خلفه فوضع يديه على منكبيه وعامر يتلو هذه الآية ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [ سورة هود آية 103 ] فلما رأى السبع أنه لا يكترث له ذهب . فقال حممة : وباللّه يا عامر ما هالك ما رأيت ؟ قال : إني لأستحيي من اللّه عزّ وجل أن أهاب شيئا غيره . قال حممة : لولا أن اللّه تعالى ابتلانا بالبطن فإذا أكلنا لا بدّ لنا من الحدث ما رآني ربي إلا راكعا أو ساجدا . وكان يصلّي في اليوم والليلة ثمان مائة ركعة . وكان يقول : إني لمقصّر في العبادة وكان يعاتب نفسه . المعلّى بن إياد « 1 » القردوسي ، عن عامر بن عبد قيس أنه مرّ بقافلة قد حبسهم الأسد من بين أيديهم على طريقهم ، فلما جاء عامر نزل عن دابته فقالوا : يا أبا عبد اللّه إنا نخاف عليك من الأسد . فقال : إنما هو كلب من كلاب اللّه عزّ وجل ، إن شاء أن يسلّطه سلّطه وإن شاء أن يكفّه كفّه . فمشى إليه حتى أخذ بيديه أذني الأسد فنحّاه عن الطريق وجازت القافلة . وقال إني لأستحيي من ربّي تبارك وتعالى أن يرى في قلبي أني أخاف من غيره . محمد بن فضيل بن غزوان قال : أنبأ أبي قال : كان عامر بن عبد قيس يقول : ما رأيت مثل الجنة نام طالبها ، وما رأيت مثل النار نام هاربها ، وكان إذا جاء النهار قال : أذهب حرّ النار النوم فما ينام حتى يمسي ، وإذا جاء الليل قال : من خاف أدلج « 2 » ، وعند الصباح يحمد القوم السّرى « 3 » .

--> ( 1 ) ( ابن زياد ) ذكره في تقريب التهذيب . ( 2 ) أدلج : أي سار من أول الليل والاسم الدلج بفتحتين وأدلج بتشديد الدال سار من آخره والاسم أيضا الدّلجة والدّلجة . ( 3 ) السرى : السير ليلا .